سلسه مع المصطفى في حجة
هل سددت ديونك إن وجدت , وأرضيت غرمائك قبل الخروج ؟
أخي الحبيب : إن كان عليك دين فالأولى بك أن تسدد دين المخلوق قبل أداء دين
الخالق , واسترضاء الخلق بما ليس معصية لله هو طاعة لله تعالى , واعلم رعاك الله أن من شروط الحج الاستطاعة ؛ فإن لم يقدر لك استطاعة فلا حج عليك , ولكن إن أردت وعزمت ؛ و كان دينك مؤجلاً ولم يحضر أجله , فاستأذن غرمائك واسترضهم , واعلم أن للدين شأن خطير ؛ فعن محمد بن عبد الله بن جحشt قال : كنا مع النبي e فنظر إلى السماء ثم وضع يده على جبينه ثم قال : “ سبحان الله ماذا أنزل من التشديد ، قال محمد : ففزعنا وخفنا وسكتنا وأطرقنا , فلما كان اليوم الثاني قلت : يا رسول الله ما التشديد الذي نزل ؟ قال: والذي نفسي بيده لو أن رجلا قتل في سبيل الله ثم قتل ثم أحيى ثم قتل وعليه دين ؛ ما دخل الجنة إلا أن يقضى عنه دينه ” [1].
وكان النبي e يمتنع عن الصلاة على صاحب الدين في أول أمره , فعن جابر قال : مات رجل على عهد رسول الله e فكفناه وحنطناه ودعونا رسول الله فجاء , فلما وصل إلينـا ثم خطا خطوات ثم قال : “ على صاحبكم دين ؟ قلنا نعم يا رسول الله نعم ديناران ، فقال هل ترك وفاء ؟ ثم قال : صلوا على صاحبكم ، فقال أبو قتادة : يا رسول الله هما عليّ فصل عليه ، فقال الرسول e : هما في مالك ؟ فاستدار النبي وصلى عليه ، ثم لقي في اليوم الثاني أبا قتادة فقال : هل أديت الدين يا أبا قتادة ؟ فقال أبو قتادة : إنه مات البارحة يا رسول الله ، فلما كان اليوم التالي قال : أديت الدين يا أبا قتادة ؟ قال : نعم يا رسول الله ، قال الرسول e: الآن بردت جلده ” [2].
وكان ذلك في أول الأمر , ولما فتح الله على نبيه كان يقضي هو الدين عمن لا مال له ، فعن أبي هريرة: أن رسول الله e كان يؤتى بالرجل المتوفى عليه دين، فيسأل: (هل ترك لدينه فضلا؟). فإن حدث أنه ترك وفاء صلى، وإلا، قال للمسلمين: (صلوا على صاحبكم). فلما فتح الله عليه الفتوح، قال: (أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي من المؤمنين فترك دينا فعلي قضاؤه، ومن ترك مالا فلورثته). “ [3].
واعلم هداك الله أن الله لا يغفر للشهيد دينه , وإن تكفل بمغفرة ما دون ذلك إلا أنه لا يغفر له حتى يقضى دينه فعن جابر : أن رجلا قال : يا رسول الله : أرأيت إن قاتلت في سبيل الله بنفسي ومالي ثم قتلت صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر أأدخل الجنة ؟ فقال
النبي e : “ نعم إلا إذا كان عليك دين وليس عندك وفاء “[4]. وفي رواية “ سارني بذلك جبريل “ . وعن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله e : “ يغفر للشهيد كل ذنبه إلا الدين “ [5].
وكان النبي e يشدد على أمر الدين كما رأينا ؛ لأنه من حقوق العباد ؛ والأصل في حقوق العباد أنها مبنية على المشاححة والمماسكة ، وحقوق الله مبنية على المسامحة والمساهلة 0
فاحرص هداك الله على سداد دينك , واسترضاء غرمائك قبل السفر .
[1] – رواه أحمد ( 22493) عن محمد بن عبد الله بن جحش، وقال محققوه: ضعيف بهذه السياقة، ورواه النسائي( 7/ 314) والحاكم( 2/ 25) ، وذكره الألباني في صحيح الجامع برقم (3600) .
[2] – قال الألباني في الخلاصة إسناده حسن .
[3] – متفق عليه كما في اللؤلؤ والمرجان ( 1044) رواه البخاري في الكفالة (2298 ) ومسلم في الفرائض( 1619) عن أبي هريرة.
[4] – مسلم في الإمارة برقم (1885) عن أبي قتادة .
[5] – مسلم في الإمارة برقم (1886) عن عبد الله بن عمرو.
