سلسله مع المصطفي في حجه
مراغمة الشيطان :
منذ أن خلق الله الخلق ـ أعنى آدم u، منذ هذه اللحظة وإبليس يتربص به كل التربص ، وأدار إبليس المعركة بصورة قتالية بكل مقاييس الحرب ، وبكل ما تعينه كلمة “ حرب “ قديماً وحديثاً من معان ، وهذه صورة قتالية تمثل المعركة من جنود لهم حزب وللحزب قائد ، وللقائد كل الولاء ، ولهم خطة ، وبالخطة هجوم وتسلل واغتيال وأسر وشراك وعمليات انتحارية ، وهذه هي الصورة [1] بشيء من التفصيل بأدلتها الثابتة بالكتاب والسنة :
1 ـ الجنود : الشياطين هم جنود إبليس سواء كانوا من الجن أو من الإنس ) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ {94} وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ {95} ([2] .
2 ـ الولاء : وهو العلاقة بين إبليس وجنوده وهى علاقة ولاء وطاعة وهما أول الضرورات التنظيمية قال تعالى: ) الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ ([3].
3 ـ الحزب : وعند ما يكون الولاء من جنود لقائد يتكون الحزب ) اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ ([4].
4 ـ السرايا : وحين تتجمع الجنود ، ويتم الولاء ، ويكون الحزب ، يكون إرسال السرايا وفى الحديث قال e “ إن لإبليس كرسياً فوق الماء يبعث سراياه فيفتنون الناس ، فأعظمهم مكانة أعظمهم فتنة “ .[5]
5 ـ أدوات الحرب ومنها :
أ – الخيل ): وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ ([6].
ب – السهام : جـاء في الحديث ” النظرة سهم من سهام إبليس “[7].
ج – الرايـة : وهى من تقاليد الحروب فلكل فئة راية تقاتل تحتها وفي مسند أحمد : “ ما من خارج يخرج من بيته إلا ببابه رايتان : بيد ملك , وراية بيد شيطان , فإن خرج لما يحبه الله عز وجل اتبعه الملك برايته , فلم يزل تحت راية الملك حتى يرجع إلى بيته, وإن خرج لما يسخط الله أتبعه الشيطان برايته , فلم يزل تحت راية الشيطان حتى يرجع إلى بيته “ وقال : “ من غدا إلى صلاة الصبح غدا براية الإيمان ، ومن غدا إلى السوق غدا براية إبليس “[8].
6 ـ رفع الراية في موقع الاحتلال كما تكون في موقع الانتصار : وفى الحديث قال e : “ لا تكونن إن استطعت أول من يدخل السوق ولا أخر من يخرج منها , فإنها معركة الشيطان وبها ينصب رايته “[9] فدل ذلك على أن السوق موضع احـتلال للشيطان .
7 ـ العنف والشدة في هذه الحرب: قال تعالى : ) أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً ([10] والأز الحركة العنيفة للماء عند الغليان .
8 ـ الحصار حول الفريسة : قال تعالى : ) ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ([11].
9 ـ الشراك : وهـى الحيـل والشباك التي يوقع فيها بنى آدم ومـن أدعية الرسول e : “ أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه “[12] .
10 ـ البحث عن أي ثغرة في أي مكان ، حتى ولو كان ذلك في السماء لكنهم لا يجدون إلى ذلك سبيلاً قال تعالى : ) وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً {8} وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً {9}([13] .
11 ـ الأسلوب الفدائي أو العمليات الانتحارية : وهى عملية معروفة النتيجة دائماً وهو الموت ، ويصف النبي e هذه الحالة بالنسبة لهم قائلاً : “ ومسترقو السمع هكذا واحد فوق الأخر ـ ووصف سفيان بيده وفرج بين أصابع يده اليمنى نصبها بعضها فوق بعض ـ فربما أدرك الشهاب المستمع قبل أن يرمى بها إلى صاحبه فيحرقه , وربما لم يدركه حتى يرمى بها إلى الذي يليه “[14].
12 ـ الأسر : كما في كل حرب ويكون من الطرفين وفى حديث النسائي وغيره : أن رسول الله e صلى صلاة مكتوبة ، فضم يده ، فلما صلى قالوا : يا رسول الله أحدث في الصلاة شئ ؟ فقال : لا إلا أن الشيطان أراد أن يمر بين يدي ، فخنقته حتى وجدت برد لسانه على يدي …….. “ .
وقد قال النبي e لأبى هريرة عندما أتاه الشيطان وهو يحرس بيت المال يقول أبو هريرة : وكلني رسول الله بحفظ زكاة رمضان ، فأتاني آت ، فجعل يحثو من الطعام فأخذته وقلت : لأرفعنك إلى رسول الله e . قال : دعني فإني محتاج وعلى عيال ولى حاجة شديدة . قال : فخليت عنه ، فأصبحت ، فقال رسول الله : يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة ؟ …….. إلى أن قال e : أما إنه صدقك وهو كذوب ؛ تعلم من تخاطب من ثلاث ليال يا أبا هريرة ؟ قلت : لا ـ قال : ذاك الشيطان[15].
ومن ذلك أسرهم في شهر رمضان من قبل الله سبحانه وفى الحديث “ إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب جنهم ، وسلسلت الشياطين “[16] .
وكما يقع الأسر علي الشياطين ، يقع كذلك على الإنس ، وفي الحديث “ قالت عائشة – رضي الله عنها – حدث رسول الله e نساء ذات ليلة حديثا ، فقالت امرأة منهن : يا رسول الله كأن الحديث حديث خرافة ، فقال: أتدرون ما خرافة ؟ إن خرافة كان رجلا من عذرة [17] أسرته الجن في الجاهلية فمكث دهرا طويلا ثم ردوه إلى الإنس فكان يحدث الناس بما رأى من الأعاجيب ، فقال الناس: حديث خرافة “[18].
13 ـ السحق الشامل : أي الإبادة الكاملة وفي الحديث القدسي قال تعالي : “ إني خلقت عبادي كلهم حنفاء فأتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم“[19]. وذلك أنه قال منذ
البداية ): لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً ([20] .
14 ـ الاغتيال: وقد كان النبي e يستعيذ من الاغتيال فيقول: “ اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني و دنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عورتي وآمن روعاتي ؛ اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي “[21] .
15 ـ الحصون: وفي هذه الحرب حصون يلجأ إليها الجنود من كلا الطرفين حماية لأنفسهم وفي الحديث “ إن الله أمر يحيي بن زكريا بخمس كلمات… وفيها وآمركم أن تذكروا الله فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في أثره سراعاً حتى أتى على حصن فأحرز نفسه منهم … كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله “[22] .
16 ـ الجوار: وهو ما يعني الحماية أيضا من ضراوة تلك الحرب ، قال أبو الدرداء :“ ألم يكن فيكم الذي أجاره الله من الشيطان على لسان نبيه e ؟ يعني عمار بن ياسر “[23].
نتيجة المعركة :
بعد تحديد الصورة القتالية للحرب بيننا وبين الشيطان يحسن أن نري النتيجة النهائية لتلك الحـرب ، لنري خسائر البشر فيها مـن كـل ألـف تسعمائة وتسعة وتسعون ، أي نسبة 1 : 999 ؛ ودليل ذلك ما جاء في الحديث : ” يقول الله لآدم يوم القيامة يا آدم : ابعث بعث النار . فيقول آدم : يا رب وما بعث النار ؟ قال: من كل ألف تسعمائة تسعة وتسعون في النار وواحد في الجنة “[24].
وإذا كانت هذه هي العلاقة وتلك هي النتيجة , فإن الحج وخصوصاً يوم عرفة يوم لمراغمة الشيطان , وكسر أنفه , وإضاعة عمله , ولهذا قال e : ” ما رؤي الشيطان يوماً فيه أصغر , ولا أدحر , ولا أحقر , ولا أغيظ منه في يوم عرفة , لما يرى فيه من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام “[25].
وإن رمي الجمار هو رمي للهوى وانتصار على الشيطان , وإعلان العبد عبوديته لربه , وتنفيذاً لأوامر الله , وهذه مراغمة للشيطان وانتصار عليه .
[1] – انظر : كتاب عندما ترعى الذئاب الغنم/ أ / رفاعى سرور ص 11ـ21 باختصار .
[2] – سورة الشعراء 94 ـ 95 .
[3] – سورة النساء 76 .
[4] – سورة المجادلة 19 .
[5] – رواه مسلم في صفات المنافقين رقم (2813) عن جابر .
[6] – الإسراء 64 .
[7] – رواه الحاكم (4/ 313) وقال صحيح الإسناد، وتعقبه الذهبي بقوله: إسحاق واه، وعبد الرحمن هو الواسطي ضعفوه، وذكره الألباني في السلسلة الضعيفة رقم (1065) .
[8] – رواه ابن ماجه في التجارات (2234) . وذكره الألباني في ضعيف ابن ماجه رقم (483) .
[9] – رواه مسلم في فضاءل الصحابة رقم (2451) عن سلمان.
[10] – سورة مريم 83 .
[11] – سورة الأعراف 16 ، 17.
[12] – رواه أحمد (51، 52) عن أبي يكر، وقال محققو المسند: إسناده صحيح على شرط الشيخين، ورواه أبو داود، وذكره الألباني في صحيح أبي داود رقم (4235) .
[13] – سورة الجن 8،9.
[14] – رواه البخاري في التفسير رقم (4701) عن أبي هريرة .
[15] – رواه البخاري في فضائل القرآن رقم (5010) عن أبي هريرة.
[16] -رواه البخاري في بدء الخلق رقم (3277) ومسلم في الصيام رقم (1079) عن أبي هريرة .
[17] – قبيلة من العرب .
[18] – رواه أحمد ( 25244) عن عائشة، وقال محققو المسند: إسناده ضعيف، ورواه الترمذي في الشمائل (250) والبزار في الزوائد (2475)، وأبو يعلى 4442) ،وذكره الألباني في ضعيف الجامع رقم (100).
[19] – رواه مسلم في الجنة ونعيمها رقم (2865) عن عياض بن حمار .
[20] – سورة الإسراء 62 .
[21] – رواه أحمد ( 4785) عن ابن عمر، وقال محققو المسند: إسناده صحيح، رجاله ثقات، ورواه ابن ماجه (3871) والنسائي في المجتبى (8/ 282) وأبو داود ( 5074) والحاكم (1/ 517)، وذكره الألباني في صحيح أبي داود رقم (4239) .
[22] – رواه الترمذي في الأمثال (2863) عن الحارث الأشعري، وقال هذا: هذا حديث حسن صحيح غريب، وذكره الألباني في صحيح الترغيب رقم (552) .
[23] – رواه البخاري في بدء الخلق رقم (3287) عن أبي الدرداء.
[24] – رواه البخاري في الرقاق رقم (6530) , ومسلم في الإيمان رقم (222) عن أبي سعيد .
[25] – رواه مالك في الموطأ ( 944) عن عبيد الله بن كريز، وذكره الألباني في ضعيف الترغيب رقم (739 ) .
