سلسة مع المصطفى في حجة
هل بحثت عن رفقة صالحة , وأخلاء صالحين ؟
أخي الحبيب : إن كل سفر يحتاج إلى رفيق , ولكل سفرة ما يناسبها , وسفر إلى بيت الله الحرام يحتاج إلى رفقة صالحة , وخلة مؤمنة , وقد أوصى النبي e بذلك
فقال : ” لا تصاحب إلا مؤمناً ” [1].
والصاحب الذي تحتاج إليه في الحج إنه من النوعية التي قال فيها الفاروق عمر موصياً أحد الناس : عليك بإخوان الصدق تعش في أكنافهم ؛ فإنهم زينة في
الرخاء , وعدة في البلاء , وضع أمر أخيك على أحسنه حتى يجيئك ما يغلبك
منه , واعتزل عدوك , واحذر صديقك إلا الأمين من القوم , ولا أمين إلا من خشي
الله , فلا تصاحب الفاجر فتتعلم من فجوره , ولا تطلعه على سرك , واستشر في أمرك الذين يخشون الله تعالى .
إنك في سفرك أخي الحبيب تحتاج إلى من قال فيه علي t :
إن أخاك الحق من كان معك ومن يضر نفسه لينفعك
ومن إذا ريب الزمان صدعك شتت فيه شمله ليجمعك
ولقد صدق الرسول e يوم قال : ” الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل “[2].
وقال e : ” مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير ؛ فحامل المسك إما أن يحذيك ، وإما أن تبتاع منه ، وإما أن تجد منه ريحا طيبة ، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك ، وإما أن تجد منه ريحاً خبيثة ” .[3]
ولله در القائل :
اصحب خيار الناس حيث صحبتهم خير الصحابة من يكون عفيفاً
والنـاس مثل دراهم ميزتهـــا فوجدت منهـا فضة وزيوفـاً
وقد أحسن علقمة بن لبيد العطاردي حين أوصى ابنه فقال : يابني إذا نزغتك إلى صحبة الرجال حاجة , فاصحب منهم من :
- إن صحبته زانك .
- وإن خدمته صانك .
- وإن أصابتك خصاصة مانك .[4]
- وإن قلت صدق قولك .
- وإن صلت شد صولك .
- وإن مددت يدك بفضل مدها .
- وإن رأى منك حسنة عدها .
- وإن سألته أعطاك .
- وإن سكت عنه ابتداك .
- وإن نزلت بك إحدى الملمات آساك .
- من لا يأتيك منه البوائق .
- ولا يخذلك عند الحقائق .
- إن حاول حويلا آمرك .[5]
- وإن تنازعتما منفساً آثرك .[6]
وتأمل قول ابن عطاء الله في حكمه : ” لا تصحب من لا ينهضك حاله , ولا يدلك على الله مقاله . ربما كنت مسيئاً فأراك الإحسان منك صحبتك من هو أسوأ
حالاً منك ” [7].
هذا أخي الحبيب الرفيق الذي أنت في حاجة إليه , وإياك وصاحب إن شددته إلى البيت الحرام ساقك إلى السوق , وإن رمت القرآن أراد الدكان , وإن شغلته بالطواف شغلك بالطعام والمنام .
فاحرص على من إذا ذكرت الله أعانك , وإن نسيت ذكرك ، واعلم أنها رحلة معدودة الأيام والساعات , نفيسة الدقائق واللحظات , فإياك إياك ومن يضيعها , والزم من ينمها لك ، ويتاجر لك وله فيها بالطاعة .
[1] – رواه أحمد ( 11337) عن أبي سعيد، وقال محققوه: إسناده حسن، ورواه أبو داود (4832) والترمذي ( 2395)، وذكره الألباني في صحيح أبي داود برقم (4045) .
[2] – رواه أحمد ( 8028) عن أبي هريرة، وقال محققوه: إسناده جيد، ورواه أبو داود ( 4833) والترمذي ( 2378)، وذكره الألباني في صحيح أبي داود برقم (4046) .
[3] – متفق عليه كما في اللؤلؤ والمرجان( 1687) , البخاري في الذبائح رقم (5534) , ومسلم في البر والصلة رقم (2628) .
[4] – الخصاصة : الفقر والحاجة , مانك : أنفق عليك واحتمل مؤنتك .
[5] – حاول حويلاً : أراد شيئاً . وآمرك : شاورك .
[6] – منفسا : الشيء النفيس .
[7] – انظر : الحكم العطائية والمناجاة الإلهية / ابن عطاء الله السكندري / تعليق : حسن السماحي / الطبعة الأولى 1998 م / ص 20 .
